الشيخ محمد رشيد رضا
362
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بلغني من عالم عربي أقام في الآستانة سنين كثيرة يخالط علماءها عن عالم تركي أعرفه وكنت أعده من أفضل علمائها الجامعين بين العلم والتدين ومعرفة حال العصر ، أنه يشتغل بترجمة القرآن ، وأنه يقول بقول الباطنية الأولين : في هذه الآية وهو أن العبادة من صلاة وصيام لم تفرض إلا على من لم يصلوا في العلم إلى درجة اليقين ، ومن وصل إلى هذه الدرجة ترتفع عنه العبادة بنص هذه الآية من القرآن . ويكفي هذا التأويل لابطال جميع عبادات الاسلام . فان اليقين أمر يمكن لكل أحد أن يدعيه ، ويمكن اضلال جماهير الناس بالوصول اليه ، وفي التحكم فيما يطلب اليقين فيه ونقول في إبطال هذه الضلالة ( أولا ) : إنها طعن صريح في النبي الأعظم صلوات اللّه وسلامه عليه بأنه لم يكن على يقين في دينه وعلمه باللّه عز وجل ، فان الخطاب له ( ص ) في الآية ، وهو المعني به أولا وبالذات وان كان الحكم عاما . وذلك بالتبع لما قبله من الامتنان عليه بايتائه السبع المثاني والقرآن العظيم ، وأمره بالتبليغ والصدع به وتهوين أمر المشركين عليه ، وإنبائه بكفايته تعالى أمر المستهزئين منهم . بعد هذا قال ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ * ) ( خاتمة سورة الحجر 15 : 94 - 99 ) وقد ورد في التفسير المأثور أن المراد باليقين الموت ، وان المعنى واعبد ربك ما دمت حيا . ونقلوا شواهد له من الاستعمال . وفسروا به قوله تعالى حكاية عن أهل النار ( وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ * ) ( سورة المدثر 74 : 46 و 47 ) ( ثانيا ) إن أصل اليقين شرط في صحة الايمان والايمان الصحيح شرط في صحة العبادة ، فاليقين في الاسلام مبدأ لا غاية ، والحنفية الذين تلقى هذا التركي الدين على مذهبهم : ان الايمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لان التصديق إذا لم يكن يقينا لا يكون إيمانا ، وليس فوق اليقين غاية تكون هي الزيادة . وفي هذا البحث نظر ليس هذا محله ( ثالثا ) ان اليقين الذي ينتهي اليه تصديق الانسان في الدين أو غيره لا يصح التعبير عنه بالاتيان ونحوه كالمجيء لأنه يكون في نفسه وعقله ، وانما يعبر